أوّاب
يعودُ في كل مرةٍ كناجٍ من معركةٍ قاتلة، كقلبٍ غريقٍ لا يجد في الكونِ من ينجيه، كنفسٍ تائهةٍ تبحثُ عن مسكنٍ ليأويها، وكروحٍ يغدو عليها الخوف صبحًا ومساء تبحث عن أمان.. يعود.. ليمرّغ قلبهُ ببابٍ ليسَ يغلق على طارِقه، لزاوية لا تضيق على من سكنها، لمرفأ يسمعه ويحنو عليه ويضمّه، ينسكبُ بكلِ ما حَمِل في جوفهِ من أسى انسكابًا، قد انتزع أقنعته التي ارتداها طوال اليوم واقبل بكلِّ ما حمِل من شعور، واخذ يتمتم بتفاصِيلِ يومهِ التي عبَرها، بالكلماتِ التي سمِعها.. بالأماني التي أرادها، وأخذ يشكو.. شكاية القلب المتيقن أن من يسمعه لن يمّل، وأنه وإن زل في شكايتهِ لم يزل، هو يدري أنه في مأمن من كل خوف، وفي سعة من كل ضيق، يدري بأنه نادى وأن نداءه سيجَاب.. يعلم في قرارةِ روحه التي أنهكها التَعَب، وخذَلها كل شيءٍ أنها هنا تحديدًا، يستحيلُ أن تخذل. يلقي بقلبهِ كاملاً، إلقاء العبدِ الذي يوّد لو تغسلَ روحه بماءٍ باردٍ من شدة ما يجد، إلقاءة الروحِ التي تدري أن الغرق هاهنا بذاتهِ نجاة، فيسجدُ سجودًا ليسَ يشرحُ طولهُ، ولا يذر في جوفهِ مطلبًا إلَا وللهِ بثّهُ، هوَ ذاك نفسه، الذي تراه متوغلّ النور...