كأنّها بينَ عينيه
قد وزّع أجزاءً منه متفرقةً في كل مكان، حسًا ومعنَى، خُلقـًا.. وصورة مضى مثلما مضيت، بهذا الشارع، من قربِ هذا السوق، من جِوارِ هذه البسطة، و أشترَى مثلَما اشتريتَ، وأكل مثلما أكلَت، كان لديهِ موعدٌ مع أحَبِّ أصحابهِ في السابعة من يوم الخميس وقد بللّ الشوق إليه وجدَه، وغمرَ إليه الحنينُ قلبَه، لهُ أمٌّ تفيضُ عطاءً و حنانًا و أبٌ عَطوف قد عَزَّ تحت رعايته، أختٌ وإخوة لو وضِعت الدنيا بكفّةٍ وهم بكفّةٍ لرجَحت كِفّتهم، وله أحلامٌ مثلك، منهملة كقطراتِ ماءٍ يتقطّرن من غمامةٍ مكتضّة، وأمنياتهُ تجتمعُ عليهِ فيبثها بأغلِفةِ الدعاءِ مملوءةً باليقين، وقد بلَغ منها ما كتبَ الله له أن يبلَغ، وادخِر لهُ منها ما ادخَر الله له له قلبٌ يجاهِده مرارًا على أملٍ بأن يلقَى ربّه بقلبٍ سليم، وقد خاب جهاده تاراتٍ وتاراتٍ برفقِ اللهِ أصاب، وقد تيّقن تمام اليقينِ أنّه فيما بقى له من العمرِ حتمًا يمتحنُ ويختبَر.. بللَّ جدبَ قلبهِ بخلواتِ الليالي، بكَى ليثبت على الهدى كثيرًا، ودعا أكثَر، ولم يكن لأحدٍ فضلاً عليه كما كان فضل الله عليه، فارقَهُ من الأحبابِ من شطئت بهِ الفتنُ إلى قيعانٍ صان الله...