كأنّها بينَ عينيه
قد وزّع أجزاءً منه متفرقةً في كل مكان، حسًا ومعنَى،
خُلقـًا.. وصورة
مضى مثلما مضيت، بهذا الشارع، من قربِ هذا السوق،
من جِوارِ هذه البسطة،
و أشترَى مثلَما اشتريتَ، وأكل مثلما أكلَت،
كان لديهِ موعدٌ مع أحَبِّ أصحابهِ في السابعة من يوم الخميس
وقد بللّ الشوق إليه وجدَه، وغمرَ إليه الحنينُ قلبَه،
لهُ أمٌّ تفيضُ عطاءً و حنانًا و أبٌ عَطوف قد عَزَّ تحت رعايته،
أختٌ وإخوة لو وضِعت الدنيا بكفّةٍ وهم بكفّةٍ لرجَحت كِفّتهم،
وله أحلامٌ مثلك، منهملة كقطراتِ ماءٍ يتقطّرن من غمامةٍ مكتضّة،
وأمنياتهُ تجتمعُ عليهِ فيبثها بأغلِفةِ الدعاءِ مملوءةً باليقين،
وقد بلَغ منها ما كتبَ الله له أن يبلَغ، وادخِر لهُ منها ما ادخَر الله له
له قلبٌ يجاهِده مرارًا على أملٍ بأن يلقَى ربّه بقلبٍ سليم، وقد
خاب جهاده تاراتٍ وتاراتٍ برفقِ اللهِ أصاب،
وقد تيّقن تمام اليقينِ أنّه فيما بقى له من العمرِ حتمًا يمتحنُ ويختبَر..
بللَّ جدبَ قلبهِ بخلواتِ الليالي، بكَى ليثبت على الهدى كثيرًا، ودعا أكثَر،
ولم يكن لأحدٍ فضلاً عليه كما كان فضل الله عليه،
فارقَهُ من الأحبابِ من شطئت بهِ الفتنُ إلى قيعانٍ صان الله قلبه منها،
ولم يجد أنفعَ علاجًا لكلِّ ما يصيب قلبه من الدنيا وأسقامِها كمثلِ آيات الله،
تجِده حاملاً أمتعتَه
مدركًا كم أن المكوثَ قليل.. وأنها أيّام قلائل، فيؤزّ إلى العملِ أزّا
يشتاقُ أن يرَى صنيعهُ كيف ضوعِفَ بإحسان الله
غريبٌ رغمَ كثرةِ من يحيطهُ، يحِنُّ لله رغم أنسِ ما يلاقيه،
يرى كفَنه وقبرَه طوال الوقت، حفرَته و زاويته التي يوضَع بها..
يغضّ الطرف عن كل ما قد آلمه مدركا انطواء الصفحةِ يومًا، متلمسًا
ثواب الأجر الجزيل.. يرَى النهايةَ في كل شيءٍ رغمَ جهلهِ بميعادها،
يراها كأنّها بينَ عينيه،
والآن،
انتهت مشقّة المضيّ،
زَالت آلامُ المجاهدة.. خُلّي من حمِل الأمانة
ولا شيء هنا إلا بياضٌ يلفّ جسدًا باردًا قد فارق أحباءه، وترك أهلهُ وأصحابه،
وغرفةٌ في بيتٍ تفتقد من بعدِه صوتَ ضحكاتهِ، وأهازيجَ الفرحِ من فكّيه..
أمّا عنده،
فقد نَال ما تمنّى، وظفرَ بما إليه تعنّى
فملائكةٌ تتنافس لتحمِل روحَه الطيبّة إلى أعلى الجِنانِ، وبِشاراتٌ تتهللُّ عليهِ بعد جهادهِ بروحٍ وريحان..
و ظلمة قبرٍ أضاءتها خلوات لياليه، ووحشةُ حفرةٍ آنستها لحظات دعاويه،
وظَفرَ بالصبرِ على تركِ النعيم الفاني، أن يتقلّب بالنعيم الباقي إلى يوم يبعثون..
فاعمل ليومٍ لا تعمل فيه، وليتيقن قلبك..
إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ
تعليقات
إرسال تعليق