البيضـَاء
هاقد انتهت تلك الفصول التي عبَرتَها..
وانقضت تلك الساعةُ التي صرَفتها
تمامًا ككلِ شيءٍ يضمحل ويتلاشى،
وككلِّ الدقائق والأيامِ والساعات.. وكمثلِ أيامِ العُمر
وتضّل في كلِّ ذلك العقيدةُ المركونةُ في فؤادك نصيبك الأعظمُ
من النعمِ في كلِّ يوم..
ونورك الأكملُ الذي بالخيرِ لك يدوم!
فكم من قلبٍ يعيشُ في ظُلماتِ عبادةِ هواه، وعبادة الشمسِ
والقمرِ والكواكبِ والبقر،
وكم من روحٍ تلجأُ بحزنها وثقلِها إلى غير ربها و تشكي بهمها وكدرها إلى الشجرِ أو إلى يَبسِ الحجر،
وضللت أنت - برحمتهِ بك-، في كلِّ يومٍ تسجد لله،
وتركع لله، وتدعوا الله، ويضلُّ هو في كلِّ مرةٍ يسمعك
ويضمّك
ويداويك
ويآنسك
ويرضيك
ويعطيك
ويجبرك،
وكم من روحٍ ضلَّت تبحثُ سنينًا عن النورِ، وضللت تعيشُ
بنورِ الإلهِ ورحمتهِ في كلالثواني والساعات، وتدرك من خلقتكِ
المراد و الغايات..
هذه العقيدةُ التي في فؤادكِ نورك المبين، ومسلكك الحقُّ، ودربك القويم،
وهذه العقيدةُ خارطةُ دروبك الملأى بالشتات.. وحصنٌ لقلبك من كمِّ الفَتات!
هي النورُ الذي بينَ جنبيك، والبياضُ الذي بينَ وجديك، ولأجلك.. لأجلِ أن تصلكَ بيضاء ناصعةً، منيرةً ساطعة، وبهيّةً سهلةً قريبةً
شُجَّ وجههُ صلَّ الله عليه وسلم، وكُسرت رُباعيته، وبكى، وطُرِد،
وقاتل، وتأذى، وفَقَد!
ثمَّ وقفَ بعد كلِّ ذاك على المنبرِ مودِّعًا.. لا يعنيهِ من دماءهِ تلكَ شيئًا،
ولا من دموعِ فقدهِ لأحبابهِ عِبرةً، ولم يأبه بلياليهِ التي قضاها واقفًا
بينَ يدي الله يدعو لك..
يقفُ مودعًا.. لا شيء بين عينيهِ عدا أن يوصيك، بملءِ مافي قلبه
يهمسُ لك ويناديك، بأن قد "تركتُكم على البيضاءِ ليلِها كنهارِها
لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالِكٌ، ومن يعِش منكم فسَيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرَفتُم
من سُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ المهديين الراشدين وعليكم بالطاعةِ وإن كان عبدًا حبشيًّا،
عَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، فإنما المؤمنُ كالجملِ الأَنِفِ كلما قِيدَ انقَادَ".
فما حالُ تعلّقك حبًا بغير خالقك حتى ضُيَّعَ دربك،
وما حالُ ظنِّكَ العظيم بنفسك وقدراتها واتكالِك لسعيك!
وما حالُ يقينكَ بالأسبابِ عوضًا عن توفيقِ ربك..
وما حالُك
وما حالُ بياضِ بيضاءكْ؟
تعليقات
إرسال تعليق