المشاركات

البيضـَاء

  هاقد   انتهت   تلك   الفصول   التي   عبَرتَها ..  وانقضت   تلك   الساعةُ   التي   صرَفتها كلمحةِ عين ..  أو   حتّى   كإيماءِ   البصر، تمامًا   ككلِ   شيءٍ   يضمحل   ويتلاشى،   وككلِّ   الدقائق   والأيامِ   والساعات ..  وكمثلِ   أيامِ  العُمر وتضّل   في   كلِّ   ذلك   العقيدةُ   المركونةُ   في   فؤادك   نصيبك   الأعظمُ   من   النعمِ   في   كلِّ   يوم .. ونورك   الأكملُ   الذي   بالخيرِ   لك  يدوم ! فكم   من   قلبٍ   يعيشُ   في   ظُلماتِ   عبادةِ   هواه،   وعبادة   الشمسِ   والقمرِ   والكواكبِ   والبقر، وكم   من   روحٍ   تلجأُ   بحزنها   وثقلِها  إلى غير ربها  و تشكي بهمها   وكدرها   إلى   الشجرِ   أو   إلى   يَبسِ   الحجر، وضللت أنت - بر...

أوّاب

يعودُ في كل مرةٍ كناجٍ من معركةٍ قاتلة، كقلبٍ غريقٍ لا يجد في الكونِ من ينجيه، كنفسٍ تائهةٍ تبحثُ عن مسكنٍ ليأويها، وكروحٍ يغدو عليها الخوف صبحًا ومساء تبحث عن أمان.. يعود.. ليمرّغ قلبهُ ببابٍ ليسَ يغلق على طارِقه، لزاوية لا تضيق على من سكنها، لمرفأ يسمعه ويحنو عليه ويضمّه، ينسكبُ بكلِ ما حَمِل في جوفهِ من أسى انسكابًا، قد انتزع أقنعته التي ارتداها طوال اليوم واقبل بكلِّ ما حمِل من شعور،  واخذ يتمتم بتفاصِيلِ يومهِ التي عبَرها، بالكلماتِ التي سمِعها..  بالأماني التي أرادها، وأخذ يشكو.. شكاية القلب المتيقن أن من يسمعه لن يمّل، وأنه وإن زل في شكايتهِ لم يزل، هو يدري أنه في مأمن من كل خوف، وفي سعة من كل ضيق، يدري بأنه نادى وأن نداءه سيجَاب.. يعلم في قرارةِ روحه التي أنهكها التَعَب، وخذَلها كل شيءٍ أنها هنا تحديدًا، يستحيلُ أن تخذل. يلقي بقلبهِ كاملاً، إلقاء العبدِ الذي يوّد لو تغسلَ روحه بماءٍ باردٍ من شدة ما يجد، إلقاءة الروحِ التي تدري أن  الغرق هاهنا بذاتهِ نجاة، فيسجدُ سجودًا ليسَ يشرحُ طولهُ، ولا يذر في جوفهِ مطلبًا إلَا وللهِ بثّهُ، هوَ ذاك نفسه، الذي تراه متوغلّ النور...

من قلبي.. إلى رسول الله ﷺ

أنا لستُ يا رسولَ اللهِ من أهلِ المدينةِ الذين ترنمّوا حينَ مجيئكَ على طلعَ البدرُ علينا.. لم أشهد نورك الضافي على طرقاتِها وقلوبِ أهلها آنذاك، و لم أسمع ضحكات أطفالها وفرحتهم، ولا سناءَ نسائها وبريقهم،  لم أكن يومًا يا رسول اللهِ من الأنصار فأظفرُ بأن أكرمكَ وأرعى ضيافتكَ وأسقيكَ وأطعمك.. و أضمّك وأشدَّ على قلبكَ وأنصرك، لم أعش عمري بقربكَ كما أبا بكرٍ فتهمسُ فيَّ  أن لا تحزنْ إنَّ الله معنا أو تزيح عنّي مخاوفي بـ" ما ظنُّكَ بإثنينِ الله ثالثهما؟"، لم أتحمّل أوجاع الدابةِ حينما تلدغني في سبيلِ هناءِ نومك، ولم أكن ياحبيبي عميرًا فتسألني بحنانكَ ما فعلَ النغير..  ماكنتُ لكَ الأمانَ فأدثرُ قلبكَ وأزمّله كما فعلت خديجة، وماكانَ لي من سباقٍ نصيبًا كما عائشةَ فتضحكُ وتهمسُ فيَّ أن " هذه بتلك"، لم أشهد يارسول الله لمعةَ عينيك، ولا جمالَ خلقتكَ وبهاءَ خُلِقك، ولم أذق رحيق خطواتكَ كما كلماتك.. لم أداوي في أُحدٍ جراحك.. ولم أخرج فأقاتل في جَنابك.. ولم أكن يومًا يا حبيبي من أهل بيتك ولا من أصحابك عدا أنني هُنا يا رسول اللهِ، حيثُ لا بلالٌ رافعٌ بعذبِ صوتهِ ذاكَ الأذان.. وحيثُ...

مشكـــاة

  بدأت   القصّة   منذ   اليوم   الأول   الذي   تشكّلتُ   فيه   على   شكلِ   مضغةٍ   في   بطنِ   أمي، كم   كان   مظلماً   بطنُ   أمي وأنا   كم   كان   يقتلني   الظلام ! ركلتُ   أمي   بشدّة ..  تقلبّتُ   يمنةً   ويسرةً   لأخرج   عاجلاً،   صرختُ   بحركاتي   المؤلمة: "  يا أمي   أخرجيني   لذاك   النور !" ، خرجتُ   أخيرًا     حبوت   مشيت   نطقت   ولا   زال   الظلامُ   يؤرقني !   لا   تسعني   غرف   منزلنا   أجمع   إن   لم   تكن  وضّاءه،   ولا   أزالُ   في   كل   مرةٍ   أهرب   من   كل   تلك   الأماكنِ   المظلمة   وكأنما   خُلقت   لأبحثَ   عن  نور، كبرتُ   أكثر ..  تجاوزتُ   خوفي   القاتل   من   الظلام   وأصبحتُ ...